سيد محمد طنطاوي
215
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قلوبهم ، فلما طال عليهم الزمان ، غلبهم الجفاء والقسوة ، واختلفوا وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره . فإن قلت : ما معنى لذكر اللَّه وما نزل من الحق ؟ قلت : يجوز أن يراد بالذكر وبما نزل من الحق القرآن ، لأنه جامع للأمرين : الذكر والموعظة وأنه حق نازل من السماء . وأن يراد خشوعها إذا ذكر اللَّه . وإذا تلى القرآن ، كقوله - تعالى - : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّه وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ . وإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُه زادَتْهُمْ إِيماناً « 1 » . والآية الكريمة تشير إلى أن الإهمال لذكر اللَّه ، والاسترسال في الشهوات كل ذلك يؤدى إلى فسوة القلوب ، وإلى الفسوق عن أمر اللَّه - تعالى - . ولذا وجدنا كثيرا من الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية ، تحض على الإكثار من ذكر اللَّه - تعالى - قال - سبحانه - : والذَّاكِرِينَ اللَّه كَثِيراً والذَّاكِراتِ ، أَعَدَّ اللَّه لَهُمْ مَغْفِرَةً وأَجْراً عَظِيماً . وفي الحديث الشريف : يقول صلى اللَّه عليه وسلم : « لا يقعد قوم يذكرون اللَّه - تعالى - إلا حفتهم الملائكة ، وغشيتهم الرحمة ، ونزلت عليهم السكينة ، وذكرهم فيمن عنده » . ولقد كان سماع الآية الكريمة ، بتدبر وتفكر وخشوع ، على رأس الأسباب التي أدت إلى توبة بعض العصاة توبة صادقة نصوحا . فهذا هو الفضل بن عياض يذهب ليلا لارتكاب ما نهى اللَّه عنه ، فيسمع قارئا يقرأ هذه الآية ، فيرتجف ويعود أدراجه وهو يقول : بلى واللَّه قد آن أوان الخشوع لذكر اللَّه . . اللهم إني تبت إليك ، وجعلت توبتي إليك جوار بيتك الحرام « 2 » . ثم وجه - سبحانه - خطابه إلى المؤمنين فقال : * ( اعْلَمُوا أَنَّ اللَّه يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ، قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) * . وافتتاح الآية بقوله - تعالى - : * ( اعْلَمُوا . ) * يؤذن بأن ما سيلقى على مسامعهم من توجيهات ، جدير بالانتباه إلى مضمونه ، وإلى الامتثال لما اشتمل عليه من أمر أو نهى . وليس المقصود من الآية إخبار المؤمنين بأن اللَّه - تعالى - قادر على إحياء الأرض بعد موتها ، فذلك أمر يعتقدونه ، ولا يتم إيمانهم إلا به . وإنما المقصود من هذه الآية الكريمة ، بيان أن المواظبة على ذكر اللَّه - تعالى - وعلى تلاوة
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 64 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 17 ص 251 .